محمد بن جرير الطبري

185

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ما : حدثنا به أبو كريب ، قال : ثنا يحيى بن آدم ، قال : ثنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن أبي بن كعب ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ قال : " كانت الأولى من موسى نسيانا " النسيان . وقوله : وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً يقول : لا تغشني من أمري عسرا ، يقول : لا تضيق علي أمري معك ، وصحبتي إياك . القول في تأويل قوله تعالى : فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً يقول تعالى ذكره : فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ العالم ، ف قالَ له موسى : أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الحجاز والبصرة : " أقتلت نفسا زاكية " وقالوا معنى ذلك : المطهرة التي لا ذنب لها ، ولم تذنب قط لصغرها . وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة : نَفْساً زَكِيَّةً بمعنى : التائبة المغفور لها ذنوبها . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس : أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً والزكية : التائبة . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قالَ أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً قال : الزكية : التائبة . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً قال : قال الحسن : تائبة ، هكذا في حديث الحسن وشهر زاكية . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله نَفْساً زَكِيَّةً قال : تائبة . ذكر من قال : معناها المسلمة التي لا ذنب لها : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني يعلى بن مسلم ، أنه سمع سعيد بن جبير يقول : وجد خضر غلمانا يلعبون ، فأخذ غلاما ظريفا فأضجعه ثم ذبحه بالسكين . قال : وأخبرني وهب بن سليمان عن شعيب الجبئي قال : اسم الغلام الذي قتله الخضر : جيسور " قال أقتلت نفسا زاكية " قال : مسلمة . قال : وقرأها ابن عباس : زَكِيَّةً كقولك : زكيا . وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل الكوفة يقول : معنى ال زكية والزاكية واحد ، كالقاسية والقسية ، ويقول : هي التي لم تجن شيئا ، وذلك هو الصواب عندي لأني لم أجد فرقا بينهما في شيء من كلام العرب . فإذا كان ذلك كذلك ، فبأي القراءتين قرأ ذلك القارئ فمصيب ، لأنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار بمعنى واحد . وقوله : بِغَيْرِ نَفْسٍ يقول : بغير قصاص بنفس قتلت ، فلزمها القتل قودا بها . وقوله : لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً يقول : لقد جئت بشيء منكر ، وفعلت فعلا غير معروف . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل : ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً والنكر أشد من الإمر . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً . . . قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً يقول تعالى ذكره : قال العالم لموسى أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً على ما ترى من أفعالي التي لم تحط بها خبرا . قال موسى له : إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها يقول : بعد هذه المرة فَلا تُصاحِبْنِي يقول : ففارقني ، فلا تكن لي مصاحبا قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً يقول : قد بلغت العذر في شأني . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء أهل المدينة : " من لدني عذرا " بفتح اللام وضم الدال وتخفيف النون . وقرأه عامة قراء الكوفة والبصرة بفتح اللام وضم الدال وتشديد النون . وقرأه بعض قراء الكوفة بإشمام اللام الضم وتسكين الدال وتخفيف النون ، وكأن الذين شددوا النون طلبوا للنون التي في لدن السلامة من الحركة ، إذ كانت في الأصل ساكنة ، ولو لم تشدد لتحركت ، فشددوها كراهة منهم تحريكها ، كما فعلوا في " من ، وعن " إذ أضافوهما إلى مكني المخبر عن نفسه ، فشددوهما ، فقالوا مني وعني . وأما الذين خففوها ، فإنهم وجدوا مكني المخبر عن نفسه في حال الخفض